المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجانب الحسي للعباده


زهـــور
12-31-2004, 10:34 PM
إدراك الإنسان ليس مجرد إحساس فحسب وليس مجرد تفكير عقلي وتجريدي فحسب، بل هو مزاج من عقل وحس من تجريد وتشخيص وحينما يراد من العبادة ان تؤدي دورها على نحو يتفاعل معها الإنسان تفاعلاً كاملاً، وتنسجم مع شخصيته المؤلفة من عقل وحس، ينبغي ان تشتمل العبادة نفسها على جانب حسي وجانب عقلي تجريدي، لكي تتطابق مع شخصية العابد، ويعيش العابد ـ في ممارسته العبادية ـ ارتباطه بالمطلق بكل وجوده.
ومن هنا كانت النية (والمحتوى النفسي للعبادة يمثل دائماً جانبها العقلي التجريدي) إذ تشد الإنسان العابد إلى المطلق الحق سبحانه وتعالى، وكانت هناك معالم اُخرى في العبادة تمثل جانبها الحسي. فالقبلة التي يجب على كل مصل ان يستقبلها في صلاته، والبيت الحرام الذي يؤمه الحاج والمعتمر ويطوف به، والصفا والمروة اللذان يسعى بينهما، وجمرة العقبة التي يرميها بالحصيات، والمسجد الذي خصص مكاناً للاعتكاف يمارس فيه المعتكف عبادته، كل هذه الأشياء معالم حسية ربطت بها العبادة، فلا صلاة إلاّ إلى القبلة، ولا طواف إلاّ بالبيت الحرام، وهكذا، وذلك من أجل إشباع الجانب الحسي في الإنسان العابد، وإعطائه حقه ونصيبه من العبادة.
وهذا هو الاتجاه الوسط في تنظيم العبادة وصياغتها وفقاً لفطرة الإنسان وتركيبه العقلي الحسي الخاص.
ويقابله اتجاهان آخران، أحدهما: يفرط في عقلنة الإنسان ـ ان صح التعبير ـ فيتعامل معه كفكر مجرد، ويشجب كل التجسيدات الحسية في مجال العبادة، فما دام المطلق الحق سبحانه لا يحدّه مكان ولا زمان، ولا يمثله نصب ولا تمثال; فيجب أن تكون عبادته قائمة على هذا الأساس، وبالطريقة التي يمكن للفكر النسبي للإنسان ان يناجي بها الحقيقة المطلقة.
وهذا الاتجاه لا تقره الشريعة الإسلامية; فانها على الرغم من اهتمامها بالجوانب الفكرية حتى جاء في الحديث: (تفكير ساعة أفضل من عبادة سنة)، تؤمن بأن التفكير الخاشع المتعبد مهما كان عميقاً لا يملأ نفس الإنسان ، ولا يعبّئ كل فراغه، ولا يشده إلى الحقيقة المطلقة بكل وجوده، لأن الإنسان ليس فكراً بحتاً.
ومن هذا المنطلق الواقعي الموضوعي صممت العبادات في الإسلام على أساس عقلي وحسي معاً، فالمصلي في صلاته يمارس بنيته تعبداً فكرياً، وينزّه ربه عن أيّ حد ومقايسة ومشابهة، وذلك حين يفتتح صلاته قائلاً (الله أكبر)، ولكنه في نفس الوقت يتخذ من الكعبة الشريفة شعاراً ربانياً يتوجه إليه بأحاسيسه وحركاته، لكي يعيش العبادة فكراً وحساً... منطقاً وعاطفة... تجريداً ووجداناً.
والاتجاه الآخر: يفرط في الجانب الحسي، ويحول الشعار إلى مدلول، والإشارة إلى واقع، فيجعل العبادة لهذا الرمز بدلاً من مدلوله، والاتجاه إلى الاشارة بدلاً من الواقع الذي تشير إليه، وبهذا ينغمس الإنسان العابد بشكل وآخر في الشرك والوثنية.
وهذا الاتجاه يقضي على روح العبادة نهائياً ويعطلها بوصفها اداة لربط الإنسان ومسيرته الحضارية بالمطلق الحق، ويسخرها أداة لربطه بالمطلقات المزيفة، بالرموز التي تحولت بتجريد ذهني كاذب إلى مطلق، وبهذا تصبح العبادة المزيفة هذه حجاباً بين الإنسان وربه، بدلاً من أن تكون همزة الوصل بينهما.
وقد شجب الاسلام هذا الاتجاه، لأنه أدان الوثنية بكل أشكالها وحطم الأصنام وقضى على الآلهة المصطنعة، ورفض أن يتخذ من أي شيء محدود رمزاً للمطلق الحق سبحانه وتجسيداً له. ولكنه ميز بعمق بين مفهوم الصنم الذي حطمه، ومفهوم القبلة الذي جاء به، وهو مفهوم لا يعني إلاّ ان نقطة مكانية معينة اُسبغَ عليها تشريف رباني فربطت الصلاة بها إشباعاً للجانب الحسي من الإنسان العابد، وليست الوثنية في الحقيقة إلاّ محاولة منحرفة لإشباع هذا الجانب إستطاعت الشريعة ان تصحح انحرافها، وتقدم الاُسلوب السوي في التوفيق بين عبادة الله بوصفها تعاملاً مع المطلق الذي لا حدّ له ولا تمثيل، وبين حاجة الإنسان المؤلف من حس وعقل إلى ان يعبد الله بحسه وعقله معاً.


وســــلامتكم

فراووووله
01-01-2005, 08:22 PM
جزاج الله خير عزيزتي

وجعله في موازين حسناتج يارب